السيد هاشم البحراني
588
البرهان في تفسير القرآن
فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : يا عبد الله ، أما ما ذكرت من أني آكل الطعام كما تأكلون ، وزعمت أنه لا يجوز لأجل هذه أن أكون لله رسولا ، فإن الأمر لله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، وهو محمود ، وليس لك ولا لأحد الاعتراض عليه ، بلم وكيف ، ألم تر أن الله تعالى كيف أفقر بعضا وأغنى بعضا ، وأعز بعضا وأذل بعضا ، وأصح بعضا وأسقم بعضا ، وشرف بعضا ووضع بعضا وكلهم ممن يأكل الطعام ؟ ثم ليس للفقراء أن يقولوا : لم أفقرتنا وأغنيتهم ؟ ولا للوضعاء أن يقولوا : لم وضعتنا وشرفتهم ؟ ولا للزمني « 1 » ، والضعفاء أن يقولوا : لم أزمنتنا وأضعفتنا وصححتهم ؟ ولا للأذلاء أن يقولوا : لم أذللتنا وأعززتهم ؟ ولا للقباح الصور أن يقولوا : لم أقبحتنا وجملتهم ؟ بل إن أبوا وقالوا ذلك ، كانوا على ربهم رادين ، وله في أحكامه منازعين ، وبه كافرين ، ولكان جوابه لهم : إني أنا الملك الرافع الخافض المغني المفقر المعز المذل المصح المسقم ، وأنتم العبيد ليس لكم إلا التسليم لي والانقياد لحكمي ، فإن سلمتم كنتم عبادا مؤمنين ، وإن أبيتم كنتم بي كافرين ، وبعقوباتي من الهالكين . ثم أنزل الله تعالى : يا محمد : قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) * « 2 » ، يعني آكل الطعام يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِله واحِدٌ « 3 » يعني قل لهم : أنا في البشرية مثلكم ولكن ربي خصني بالنبوة دونكم ، كما يخص بعض البشر بالغناء ، والصحة والجمال دون بعض من البشر ، فلا تنكروا أن يخصني أيضا بالنبوة . ثم قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأما قولك : إن هذا ملك الروم وملك الفرس لا يبعثان رسولا إلا كثير المال ، عظيم الحال ، له قصور ودور وفساطيط وخيام وعبيد وخدام ، ورب العالمين فوق هؤلاء كلهم فهم عبيده فإن الله تعالى له التدبير والحكم ، لا يفعل على ظنك وحسبانك واقتراحك ، بل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وهو محمود . يا عبد الله ، إنما بعث الله نبيه ليعلم الناس دينهم ، ويدعوهم إلى ربهم ، ويكد نفسه في ذلك آناء الليل وأطراف النهار ، فلو كان صاحب قصور يحتجب فيها ، وعبيد وخدم يسترونه عن الناس ، أليس كانت الرسالة تضيع والأمور تتباطأ ؟ أو ما رأيت الملوك إذا احتجبوا كيف يجري الفساد والقبائح من حيث لا يعلمون ولا يشعرون ؟ يا عبد الله ، إنما بعثني الله ولا مال لي ليعرفكم قوته وقدرته ، وأنه هو الناصر « 4 » لرسوله ، لا تقدرون على قتله ولا منعه من رسالته ، فهذا أبين في قدرته وفي عجزكم ، وسوف يظفرني الله بكم فأوسعكم قتلا وأسرا ، ثم يظفرني الله ببلادكم ، ويستولي عليها المؤمنون من دونكم ، ودون من يوافقكم على دينكم . ثم قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأما قولك لي : ولو كنت نبيا لكان معك ملك يصدقك ونشاهده ، بل لو أراد الله أن يبعث إلينا نبيا لكان إنما يبعث إلينا ملكا لا بشرا مثلنا ، فالملك لا تشاهده حواسكم ، لأنه من جنس هذا الهواء لا عيان منه ، ولو شاهدتموه - بأن يزاد في قوى أبصاركم - لقلتم : ليس هذا ملكا ، بل هذا بشر ، لأنه إنما كان يظهر لكم بصورة البشر الذي ألفتموه لتفهموا عنه مقاله ، ولتعرفوا خطابه ومراده ، فكيف كنتم تعلمون صدق الملك وأن ما يقوله حق ؟ بل إنما بعث الله بشرا رسولا ، وظهر على يده المعجزات التي ليست في طبائع البشر
--> ( 1 ) الزّمنى : جمع زمن ، وهو المصاب بعاهة أو مرض مزمن . ( 2 ، 3 ) الكهف 18 : 110 ، فصلت 41 : 6 . ( 4 ) في « س » و « ط » : الناظر .